الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

235

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

في كلّ مصر ، وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا ، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب ، إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحبّ إليّ ، وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله ، فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى ، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقى إلى معلمي الكتاب ، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع ، حتى رووه وتعلمّوه كما يتعلّمون القرآن ، وحتى علمّوه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه . ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : أنظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليّا وأهل بيته ، فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه . وشفع ذلك بنسخة أخرى : « من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكلوا به واهدموا داره » ، فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ، ولا سيما بالكوفة ، حتى أن الرجل من شيعة عليّ عليه السّلام ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته ، فيلقي إليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه ، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة . وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون ، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى يدي الديانين الّذين لا يستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها ، فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن عليّ عليه السّلام ، فازداد البلاء